فن

13 مارس ذكرى ميلاد الموسيقار محمد عبد الوهاب مطرب الملوك وموسيقار الأجيال

حدث في مثل هذا اليوم 13 مارس 1901 ميلاد الموسيقار محمد عبد الوهاب. موسيقار الاجيال الذي لحن لمعظم مطربي عصره . وساعد كثير من المطربين والمطربات في بداية مسيراتهم الفنية والطربية. استمر محمد عبد الوهاب في تقديم ألحانه للآخرين لكنه توقف عن الغناء في منتصف الستينات تقريبًا. التقى محمد عبد الوهاب وأم كلثوم في أول عملٍ فني مشترك يحمل اسم إنت عمري، وانتهت بذلك عقودٌ طويلة من المنافسة بينهما. وبدأت مرحلة جديدة من إبداعات عبد الوهاب الموسيقية استمرت عشر سنوات.

ميلاد الموسيقار محمد عبد الوهاب

ولد محمد عبد الوهاب في 3 آذار/ مارس 1907 في حي في القاهرة يُدعى باب الشعرية. بدأ الغناء في سن مبكرة حيث كان مؤدٍ متميزٍ في مسرحٍ محليٍ عندما كان عمرة سبعة سنوات. كما سجل أولى تسجيلاته عندما كان عمره 13 عامًا. وكان أبوه هو الشيخ محمد أبو عيسى المؤذن والقارئ في جامع سيدي الشعراني. وأمه فاطمة حجازي التي أنجبت ثلاثة أولاد منهم محمد وبنتين. درس العود والموسيقى العربية التقليدية في معهد القاهرة للموسيقى العربية والتأليف الغربي في مدرسة بيرغران. ونتيجةً لصوته الجميل وقدرته المذهلة على الارتجال على العود، ازدادت شهرته بسرعة، وخاصةً في المجتمع العالي.

حيث تعلم العزف على العود على يد محمد القصبجي، وتعلم فن الموشحات. وعمل في نفس الوقت كمدرس للأناشيد بمدرسة الخازندار، ثم ترك كل ذلك للعمل بفرقة علي الكسار كمُنشد في الكورال وبعدها فرقة الريحاني عام 1921، وقام معها بجولة في بلاد الشام وسرعان ما تركها ليكمل دراسة الموسيقي ويشارك في الحفلات الغنائية، وأثناء ذلك قابل سيد درويش الذي أُعجب بصوته وعرض عليه العمل مقابل 15 جنيه في الشهر في فرقته الغنائية، وعمل في روايتي البروكة وشهرزاد، وبالرغم من فشل فرقة سيد درويش إلا أن عبد الوهاب لم يفارق سيد درويش بل ظل ملازماً له يستمع لغنائه ويردد ألحانه حتى وفاة سيد درويش.

إقرأ أيضا:22 فبراير ذكرى ميلاد الفيلسوف الألماني أرثر شوبنهاور فيلسوف الوجودية والتشاؤم

في عام 1924، قدم الشاعر الشهير أحمد شوقي عبد الوهاب لأصدقائه الأثرياء وأصبح فنانًا مشهورًا في حفلات الطبقة العُليا. كما كانت ألحان عبد الوهاب، مع كلمات شوقي شعبيةً للغاية بين جميع فئات الناس. كان مشهورًا بين الأمراء والملوك. ويعتبر أحد الأركان الأساسية الخمس في الموسيقى العربية الحديثة، إضافةً إلى فريد الأطرش، فيروز، عبد الحليم حافظ وأم كلثوم. كما كان واحدًا من الممثلين المصرين القليلين الذين انتقلوا من الأفلام الصامتة إلى تأدية أدوارٍ غنائية ناطقة. 

أحمد شوقي الأب الروحي لعبد الوهاب

عندما زارت «الدستور» بيت الشاعر أحمد شوقي الملقب بـ «كرمة إبن هانىء» على ضفاف نهر النيل، لفت انتباهنا وجود غرفة أشارت مسؤولة الدار الى أنها كانت مخصصة للفنان محمد عبد الوهاب الذي كان بمثابة الأب الروحي والثقافي لأمير الشعراء العرب. وكان عبد الوهاب يقيم فيها في مستهل حياته الفنية. ينهل من تجربة الشاعر الكبير ويبدع ألحانا ومن امامه « النيل» الذي تغنى بأمواجه قائلا:» يا نيل يا ساحر الوجود»

محمد عبد الوهاب أو عبد الوهاب وهذا يكفي للتعريف بالموسيقار الذي يعد « أبا» لأجيال من المطربين بدءا من العندليب عبد الحليم حافظ الذي احتضن موهبته وكأن التاريخ يعيد نفسه مع عبد الوهاب ويرد تحية « أمير الشعراء» الى « العندليب». مرورا بالمطربة نجاة الصغيرة التي «تخصص» عبد الوهاب بالتلحين لها وصولا الى وردة الجزائرية التي لم تعرف الشهرة الا بعد أن لحن لها عبد الوهاب.، دون الانتقاص من روائع الموسيقار بليغ حمدي. وليس انتهاء بألحانه الى المطرب محمد ثروت آخر عناقيد الأصوات الجميلة في مصر.

إقرأ أيضا:5 فبراير ذكرى ميلاد اللاعب البرتغالي كرستيانو رونالدو أفضل لاعب في العالم

أهم مراحل الموسيقار محمد عبد الوهاب

وتعتبر سبع السنوات التي قضاها عبد الوهاب مع أحمد شوقي من أهم مراحل حياته. حيث اعتبر أحمد شوقي مثله الأعلى والأب الروحي له الذي علمه الكثير من الأشياء. فكان أحمد شوقي يتدخل في تفاصيل حياة عبد الوهاب وعلمه طريقة الكلام وكيفية الأكل والشراب. وأحضر له مدرسا لتعليمه اللغة الفرنسية لغة الطبقات الراقية. وبدأ نجم محمد عبد الوهاب يبزغ حيث قدمه أحمد شوقي في كافة الحفلات التي كان يذهب إليها. وقدمه إلى رجال الصحافة مثل طه حسين وعباس محمود العقاد والمازنى.

وكذلك رجال السياسة مثل أحمد ماهر باشا وسعد زغلول ومحمود فهمي النقراشي، إلا أن ذلك لم يمنع الآخرين من مهاجمته وخاصة من المطربين الذين تخوفوا من شهرته مثل منيرة المهدية التي طردته من أوبريت كليوباترا ومارك انطوان وكذلك هاجمه العقاد والمازني (كان العقاد والمازني قد أصدرا كتاب الديوان هاجما فيه أحمد شوقي). يمكن القول أن العلاقة بين عبد الوهاب وأحمد شوقي علاقة وثيقة ذكرها عبد الوهاب كثيراً في أحاديثه وكان دائما يعترف بفضل أحمد شوقي عليه، ولحن له العديد من القصائد مثل: دمشق، النيل نجاشى، مضناك جفاه مرقده.

القيمة الفنية لعبد الوهاب في الموسيقى الشرقية

رغم أن محمد عبد الوهاب قدم العديد من الألحان الموسيقية ذات الطابع العربي الأصيل، مثل دعاء الشرق، وليالي الشرق، وعندما يأتي المساء، إلاّ أنه اتهم دائماً بأنه يقوم «بتغريب» الموسيقى العربية، وعلى الرغم من أن عبد الوهاب قدم العديد من الإيقاعات الغربية إلى الموسيقى، لكنه قدّم ذلك في إطار الأشكال المعروفة في الأغنية العربية، طقطوقة، ومونولوج غنائي، والقصيدة. مثلاً قدّم إيقاع الفالس في قصيدة الجندول عام 1941، كما قدّم إيقاع الروك أند رول في أغنية (طقطوقة) يا قلبي يا خالي التي غناها عبد الحليم حافظ عام 1957.

إقرأ أيضا:23-9 ميلاد محمد حسنين هيكل أبرز الكتاب الصحفيين في تاريخ مصر

طلب السادات من عبد الوهاب لحن النشيد الرسمي لجمهورية مصر العربية

طلب من محمد عبد الوهاب وضع نشيد وطني لمصر. وفرح عبد الوهاب بهذا التكليف خاصة وان السادات منحه وقتها رتبة عسكرية فخرية هي رتبة لواء. إلا أنه طلبه لوضع اللحن كان مشروطا وبشرط قاس، فقد طلب من عبد الوهاب عدم وضع نشيد جديد وابداع لحن جديد وإنما فقط إعادة صياغة نشيد مصر الأول بلادي بلادي لسيد درويش والذي عاد وحده تلقائيا بين الجماهير في تلك الأيام بعد النكسة وردده الناس بحماس في كل مكان، لم يتكدر عبد الوهاب طويلا كون واضع اللحن إحدى معلميه الأوائل في بداية حياته وانطلاقا من مبدأ الوفاء للوطن ثم المعلم لم يجد أي غضاضه في ذلك واندمج في إخراج نشيد استاذه سيد درويش في أبهى صورة.

يذكر ان السادات وضع تحت إمرة عبد الوهاب فرقة الموسيقات العسكرية المصرية الحائزة على المركز الأول بين الفرق العسكرية العالمية لعدة سنوات على التوالى، وبها أمهر الخبرات ولها كل الإمكانيات بدءا من الآلات حتى الملابس، ويتفرغ عبد الوهاب للمهمة في تواضع شديد واعتراف جميل بفضل موسيقار مصر الأول ونابغتها سيد درويش عليه وعلى البلاد، والذي استطاع توحيد أبناء أمته في نشيد رمزى من كلماته واعاد توزيعه بعد نصف قرن من رحيله، ويقود محمد عبد الوهاب الموسيقى العسكرية وهو في زيه العسكري لتعزف نشيد بلادى لأول مرة في تاريخها ويتحول من نشيد شعبي إلى نشيد رسمي، وتطير نوتته الموسيقية إلى السفارات المصرية في جميع أنحاء العالم وتودع نسخ منها بجميع السفارات الأجنبية بالقاهرة، ليعزف في جميع المناسبات الوطنية والدولية

حكاية أغنية “هان الود” لموسيقار الاجيال

تبدأ قصة «هان الود»؛ لأن  شاعر الشباب أحمد رامي توقع عودة نهلة القدسي لحبيبها بمجرد أن تستمع لجملة رائعة من تلك القصيدة المغناه وخاصة مقطع  «أنا بحبه وأراعي وده إن كان ف قربه ولا في بعده»، خاصة وأن  أحمد رامي كان له باع طويل في عالم الحب والهجران مع أم كلثوم ….. ويعرف مقدماً موضع كلمات الغزل على أي قلب أي امرأة، وفعلاً تحققت نبوءته وتأثرت أيقونة عبد الوهاب المهاجرة بها بمجرد سماع الأغنية، ورجعت وعلى قول نزار ما أحلى الرجوع لعبد الوهاب كلمة قالتها نهلة القدسي فالحب العظيم لا يضيع، فالود أعظم دواء للمحبين ، وبالود تهون الدنيا كلها وبه يعود الصفاء والرضاء العاطفي.

أبدع فيها بسبب معاناته العاطفية مع زوجته نهلة القدسي التي هجرته وتركت مصر وسافرت للأردن غاضبة منه لسبب ما لا يعلمه سواهما حتى الآن، وإن كان الكل يعلم بقصة الهجران والود الذي هان حتى عادت العاطفة الجياشة تجري في الأوردة والعروق لعبدالوهاب ونهلة القدسي.. عبدالوهاب الذي أهدى عشاقه أغنية تعيش لتتغنى بها كل الأجيال ويحفظها عن ظهر قلب كل من عانى الهجران.

أغنية كل دا كان ليه الجميلة لحنا وكلمات

كل ده كان ليه؟ السؤال الوجودي الذي طرحه مأمون الشناوي، وما زال السؤال يجلس بمحاذاة أصدقائه من الأسئلة الوجودية التي لا إجابة لها وعلى رأسها سؤال بيرم التونسي: هو صحيح الهوى غلاب؟ ربما كانت هذه الأسئلة مصدر إلهام مهم للملحن كي يبدع في اللحن، كي يصنع لحناً وجودياً كما في الكلام، لحناً يتسع صدره لكل التأويلات والإجابات. محمد عبد الوهاب الملحن والمطرب الأذكى في تاريخ الأغنية العربية. قرر أن يكون اللحن على نهج الطقطوقة. فكان المذهب ثم الأغصان وإعادة المذهب بين الأغصان. واستخدام مقاماً واحداً وهو المقام البياتي.

والبياتي هو المقام الأوسع انتشاراً بين المقامات. وهو مقام إلهي كما قال أحد الشيوخ. وأغلب المقرئين يبدأون قراءتهم من هذا المقام لذلك يقال عليه أيضاً مقام قرآني. هو مقام بسيط ومتباين المشاعر. فهو ذو طابع شعبي في بعض الأحيان كالسيرة الهلالية والمبهج أيضاً كأغنية التراث على الدلعونة. وهو العاطفي الهادئ كأغنية سألوني الناس. العاطفي المرتبك والمزدحم كأغنية جانا الهوى. وهو المحزن والمحير والوجودي هنا في «كل ده كان ليه».

المقدمات في الأغاني أو المفتتح في القصائد، ما هي إلا قول كل ما سيقال بعد ذلك بشكل مكثف دون شرح أو دون أن تقول شيئاً. هنا استخدم عبد الوهاب القانون في البداية لترد عليه الكمان والتشيلو، ليكمل الكمان حتى نهاية المقدمة ويظهر الإيقاع تدريجياً. والجملة الموسيقية تعاد وكأنك تائه تبحث عن إجابة، والتيه هنا تيه في المكان. تيه يصاحبه هدوء. بداية تهيئك لما هو قادم، دعوة للاسترخاء والتأمل في السماء. ربما تسقط عليك تفاحة أو تجد إجابة للسؤال.

سر عذوبة ذلك اللحن للموسيقار محمد عبد الوهاب

يكمن سر جمال اللحن، إضافة لعذوبته وبساطته وانسجامه مع الكلمات، في كونه لحناً فضفاضاً، لحناً يشبه السؤال الوجودي واسع التأويل والارتجال، لحناً واسع المدى كالبحر، لحناً يشبه الأرقام؛ لا نهاية له، هكذا صنع عبد الوهاب اللحن، لذلك فهو لحن يجذب كل صوت جميل كي يبدع فيه، كي يصل للنشوة ويعانق السماء بأحباله الصوتية، لحناً يعرج للسماء ويناجي من فيها.

عبد الوهاب أذكى منا جميعاً. وذكاؤه ليس محض صدفة، فهو يعلم كل العلم ما يصنع من ألحان، فهو يعلم أن هذا اللحن سيجذب كل صاحب صوت حلو ليغنيه، ويبدع فيه، ففعل هو ذلك، في حفلة بنادي سلاح الفرسان يوم 2 ديسمبر 1954، في حضور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وغنى كل ده كان ليه، وترك صوته يسبح في الفضاء، يصول ويجول بين المقامات، لم يترك مقاماً إلا واقترب منه، لم يترك مساحة من الارتجال واللعب بصوته إلا وفعلها، وكأنه يقول بكل بساطة فليسبح من يسبح، أما انا فأجلس على شاطئ الآخر أتابع ما يحدث في فضاء لحني، مبتسماً من نشوة الانتصار والخلود.

غناها أيضاً سمير جبران مع فرقته «الثلاثي جبران» في حفل تأبين محمود درويش، وحكى أنه سمع درويش يدندنها وهو يصنع قهوة الصباح، ربما كان درويش يغبط مأمون الشناوي على هذه الجملة، عاش درويش حياته كلها بيحث عن إجابة لهذا السؤال ولم يجد، ليرد درويش على نفسه «هذا سؤال الآخرين ولا جواب له.

آخر ما غنى الموسيقار “من غير ليه”

“من غير ليه” هي رائعة موسيقية أدّاها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب. بعد 25 سنة من الاعتزال تأكيدا على قدرة الموسيقى العربية على العيش والتطوّر والتجدّد مع المحافظة على الجودة والذوق الرفيع. رأت أغنية “من غير ليه” النور لحنا من محمد عبد الوهاب للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ وكان هذا الأخير يرغب في تقديمها في حفلات الربيع وبدأ في حفظها والتمرين عليها، لكن المرض هاجمه ولم يهبه القدر الوقت ليقوم بذلك وتوفي قبل تسجيلها. بعد رحيل عبد الحليم حافظ تهافت الكثير على الأغنية ليفوزوا بها لكن محمد عبد الوهاب رفض لأنه لم يجد بعد العندليب صوتا جديرا بأدائها وبقيت سنوات طويلة في أحد أدراج مكتبه إلى أن قرّر إصدارها بصوته في أواخر 1989.

مثّلت أغنية “من غير ليه” أول تعامل بين موسيقار الأجيال والشاعر مرسي جميل عزيز. ومن الطرائف التي تُروى في ذلك هو أن عبد الوهاب وعبد الحليم، في حرصهما الشديد على معاني النصوص التي يؤدّيانها، طلبا من الشاعر جميل عزيز الكثير من التغييرات واستجاب على عادته. وتكرّر الطلب فانتهى به الأمر إلى الغضب وشتمهما وغادر وتركهما وحيدَين.

ويكمن سر نجاح الأغنية في شخصية محمد عبد الوهاب. فهو ذلك العبقري الذي، في غاية شرقيته. وهب للموسيقى العربية حرية التحليق بآلات جديدة عليها وبنوعيات وفدت من كل أنحاء العالم. وتوفّق في توظيفها وتطويعها للمقامات والقوالب والأذن العربية.

رحيل موسيقار الاجيال ومطرب الملوك والأمراء

توفي عبد الوهاب في 4 أيار/ مايو، 1991 إثر وعكةٍ صحيّة ألمّت به. وكان قد أصيب وقتها بجلطةٍ دماغيةٍ إثر سقوطٍ حاد تعرّض له على أرضية منزله بعد أن تعرّض للانزلاق المفاجئ. وكان قد أصدر الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك أمرًا بتشييع جثمان الموسيقار في اليوم الخامس من شهر أيار/ مايو.

السابق
13 مارس ذكرى غزوة بدر الكبرى أول غزوة في الاسلام بقيادة الرسول محمد ضد قريش
التالي
14 مارس ذكرى ميلاد أبو النسبية ألبرت أينشتاين مؤسس الفيزياء النظرية الحديثة